مازلتِ بي ..

9eacf804-9648-4a60-8981-7e42c2cac85d

  • قصة من نسجِ الخيال، وربما ما بِها تتشابهة في حياتنا..

 

 

تبدأُ الحكاية ، وربما ثرثرة حروفُها منتثرة على حجم أوراقي لا أعرفُ من أين سـ أبدأُ هل من ساعةُ الحائط التي أمامي أم من ساعةُ الزمن الذي مضى ولم أدركُ ذلك ..

ذات يوم من صباحاتِ الشتاء الباردة أعددتُ قهوتي وخرجتُ إلى البحر ، كانت السماءُ مغطاه بالغيوم وعلى أجنحتِها وضعتُ حروفي والشجون ، ابتسمتُ إلى الطيورِ المُحلِقة وإلى أوراقي بجانبي مبعثرة ، خرجتُ لأكتب لكِ يا حبيبتي لـ ربما نلتقي في يوم ، بعدَ سنه أو سنتين وربما أكثر ..

لقد رحلتُ بعيداً إلى بلدٍ كنتُ أُحدثُكِ عنه دائِماً ، كنت أشتهي أن أسافرَ إليه وأعبر انهاره وأتسلقُ جباله وأتسكعُ في شوارعه وأجلسُ في مقاهيه معكِ ، ابتعدتُ كثيراً من مجتمعٍ لا يعرفُ سوى أن الحياةَ تدور فقط كما رتبها أجدادُنا من زمن بعيد ..

هنا أكتبَ بِـ حُرية دون تطفل دون أن يعكرَ أحدٌ صفوةَ كتاباتي ، حيثُ أكتبُ لكِ وإليكِ وكل ما يقعُ في يدي وذاكرتي ..

هنا في بيتي الصغير تجدين صورُكِ على كُلِ طاوله ، صوتُكِ يملئُ ذاكرتي ..

أبحثُ عنكِ بين الأوراق أرتشفُ قهوتي على أُغنياتِكِ وموسيقاكِ لم أنساكِ حتى وأنا هاربٌ من أن أستنشقَ عبيرُ عِطرُكِ في أرجاءِ مدينتِنا ..

في الفجر ألتقي بصديقي العجوز ( آرثر ) اهرولُ معه ونمشي قاطعين مسافات بين حديثٍ وصمت ، ثم نحتسي كوبٌ من القهوة قبل مغادرتنا والذهاب لـ أعمالِنا ، قال لي :

الحياةُ ليست عملٌ وكتابةٌ فقط ، أخرج وتنزه وصاحب من تُصاحب ، أمرح بين هنا وهناك كأنه يدعوني أن أعانق أنثى غير حبيبتي أن أمارس الحب معها كـ أبله يريدُ أن يفرغَ شهوته ..

أبتسمتُ له :

أنني أخرجُ وأتنزه وأمارس كُلِ حب مع حبيبتي على الورق وصورتُها لا تُفارقُ قلبي ، لأنها بعيده بعيده جداً وعاهدتُها أن لا حُبَ بعدها ..

لم يكن بإمكاني الهربُ منكِ أكثر من ذلك ..

فـ أنتِ قدري الذي تشبث بي ، أُحِبُكِ بقدر الوصف الذي لم أصفه ، وأكرهُكِ بقدر عِطرُكِ العالقُ بي والكُره الذي أكنهُ لـ مجتمعٍ أهدر حياتي ، وهربتُ منه إلى حيثُ لا أدري ..

أتذكرين أول لقاء ، عندما ألتقت الأعْيُن عن قُرب وأحتضنتُ يَدُكِ وقَبَلْتُها شعرتُ بتوردِ خديّكِ ، لم أسمعْ صوتُكِ حينها ثم هربتِ مني ولكن أمسكتُ بيدِكِ وقلتُ لكِ غداً سيصدرُ لي أولُ قصة قصيرة في الصحيفة شعرتُ بِـ إبتسامتِكِ وجعلتُكِ تهربين ..

أذكر تلك الفتاة التي عاشت تحت سقفٍ مُتهرِّم تبكي كُل ليله ، تبحثُ عن نفسِها بين الكتب لعلها تجدُها بين الحروف لكي تشعرُ أنها مازالت أنثى صغيره في بداياتِ سنِ العِشْرِين وتنسى أن الحياة فرضت عليها أن تكون ممرضة لـ ذاك العجوز وعندما يموت تعود لـ بيتِ والدِها أو تبقى في بيتها وتتبخر أحلامُها إلى أن تذبلَ وتموت ..

قالت لي ذات يوم أنني أحسِدُكَ على كتاباتِكَ وأحسِدُ حبيبتُكَ التي تكتبُ لها ، تستطيع أن تفضفضَ على الورق كل ما يخالجُ صدرك ، عندما أقرأ لك أشعرُ مازلتُ أنثى كـ أنكَ تكتبُ لي وأنسي الواقع الذي أعيشه ، لم أشعرُ بطعمِ الحُب بِـ قلبي قدر ما شعرتُ بهِ على الورق ، عندما تحدثُني أسترجعُ ما تبقى من أُنوثتي المخبأه بي وفي غيابِكَ أذبل ، لم أُحبُكْ ولكن ألجأُ إليك بعد الله لأنكَ الوحيد الذي يسمعُني ولا يملُ مني ..

كانت هي فتيلُ بداية كتابتي للقصص وكانت هي أولُ قصصي ، عندما كتبتُ عن مجتمعٍ يُزوجُ بناته في سنٍ صغير ، كتبتُ في آخر القصة :

” بناتكم فلذاتُ أكبادِكم لا تجعلوا حياتِها تملئُ جُيوبِكم وتقتلُها “

 

أحببتُكِ دون لِقاء ، أحببتُكِ من نظراتي إلى عينيّكِ خِلسه ، إلى سماعِ صوتُكِ عنوه عندما تلتقين بـ أُختاي في الحديقة ، أحببتُكِ أكثر عندما عرفت بـ أن نوافذَ غرفتنِا متقابله ، لم أكنْ أختلسُ النظر إلى نافذتِكِ بل كُنتُ أتنفسُ عِطرُكِ في كُلِ وقت ..

 

 

أحبَبتُها

دون لِقاء ..

دون أن تعلمَ بِقَلبي الشَقَاء ..

أَكْتِبُها

أُدَوِنُها

بين حروفي وصَوتُ الـ آه

وآخر رسالة

قبل النهاية

بَعَثتُ إليها الجواب ..!

” أحْبَبتُكِ .. والقَلبُ يَهوى الصِعَاب

أحْبَبتُكِ .. دون لِقَاء ..”

 

كانت أولُ رساله أكتِبُها إليكِ عندما طلبتي أحدى الروايات وضعتُ رسالتي بِها إليكِ ” أنني معجبٌ بكِ جداً وبشغفُكِ للقراءة ، وأي كتاب تحتاجينه ستجدينه لدي .. “

كنتُ أنظرُ إليكِ عندما تأتين إلى منزلِنا أرى من خلال عينيّكِ أبتسامه ، وفي قلبي رجفه ، وعندما طلبتي روايةٌ أخرى وضعتُ رسالتي الثانية وبها رقمُ هاتفي ” هذا رقمُ هاتفي أن أردتي أي روايةٍ هاتفيني برساله وسـ أوفرُها لكِ .. ” كنت أود أن أتقربَ منكِ أكثر ولا أتعذب ، كنتُ أود أن أعرف للفصلِ نهاية هل بالقبول أم الرفض ..

وفي مساءِ ذلك اليوم بعثتي بِـ رسالة : ” أنكَ بارعٌ بـ اختياراتِكَ للروايات .. “

علمتُ أنها منكِ ، أخذتُ أتطاير من السعادة وقتها خانتني الحروف بِـ ماذا أُجيب وكيف أكتب

أردفتُ قائِلاً :

  • أشكُرُكِ ، وفي أي وقتٍ شئتي ..

بعثتي بِـ رسالة :

  • توجد ورقة بين صفحاتِ روايتك ربما تخصك ..

أردفتُ قائِلاً :

  • انها ورقة أقتبسُ بعض الجُمَلْ التي تعجبُني ، لقد نَسيتُها ..

بعثتي بِـ رسالة :

  • فكرة جميلة ، ربما أفعلُ مثلك حيثُ أنني لا أحتفظ بـ أغلب الروايات ..

أردفتُ قائِلاً :

  • جميل أذا الفكرةُ قد أعجبتكِ ..

 

وظللنا نتحدث ونتبادل الرسائل عن الروايات ونحوِها ، كنتُ سعيداً جداً في تلك الليلة لم أنم من شدةِ سعادتي ..

إلى أن أتى ذلكَ اليوم وأعترفتُ لكِ بحبي ..

 

أتذكرين صديقي المتزوج الذي حدثتُكِ عنه ، قبل يومين من كتابتي لهذه السطور آتاني خبر وفاته ، لقد مات قهراً وظلماً ، لقد كان هو قصتي الثانية التي كتبتُها ..

كان يقولُ لي :

أتعلمْ أن طيبَتي الزائده من جعلني هكذا ، وهي التي سوف تُميتُني ، كرهتُ نفسي وانعزلتُ لوحدي دون أن يشعرَ بي أحدٌ من أهلي وحتى زوجتي التي أغرَّتها الدنيا ..

أصبحتُ خائِناً ، ومتمرداً ، وظالماً ، ومقصراً بِـ حقِها أمام الناس ، والعكس صحيح يا صديقي ..

ضحك طويلاً ودمعت عيناه ثم أجهث بالبكاء قائِلاً :

أليس عجباً أن يموتَ شخصٌ أمامكَ كُلَ يوم ولا تصنعُ له شيئاً ..

 

في لِقائُنا الثاني عندما سألتيني لماذا تكتِبُ قصصاً ، كُنتُ أقولُ لكِ أن خلف كل نافذة قصة ربما تكونُ قريبه أو بعيده ..

في ذلك اليوم أتفقنا أن تكونَ لِقائَتُنا تحت هذه الشجرة التي تقبعُ في زاويةِ الحديقة بعيدة عن الأعيُنِ والمارة ،

نتبادلُ النظرات وخفقان القلوب المشبعة بالحب ، حيثُ أسمعُ صوتُكِ عن قرب دون حواجز ولا جدران تفصِلُنا ، أستطيع أن أتنفسَ عِطرُكِ وأستنشقُ حروفُكِ من ثَّغْركِ ، أتوهُ بكِ وأكتبُكِ ..

 

جميلتي ..

كيف أصِفُكِ ..!

من عينيّكِ ..

أم من شفتيّكِ ..

وشَعرُكِ الأسود المنثور على كَتِفيّكِ ..

أنلتقي ..!

وأكتبُ على يَديّكِ حبيبتي ..

وأصفُكِ أكثر ..

وأُقبِلُكِ أكثر ..

وأكثر ..

 

غضبتي في لِقائِنا الثالث عندما أخبرتُكِ بِـ سفري إلى لندن ، حيثُ قُلتي :

  • لماذا لم تُخبِرُني من قبل ..؟
  • لقد تلقيتُ بالأمس البريد الإلكتروني من الجامعةِ هناك ..
  • وأن يكن ، ألم نتعاهد بأن لا نُخفي شيءٌ عن بَعضِنا ..
  • نعم يا حبيبتي ولكن …
  • قاطعتيني بِـ غضبٍ وترحلُ عني ..
  • لن أرحلَ كثيراً ، أنها رحله لمدةِ أسبوع إلى أسبوعين فقط ..
  • فقط ..
  • فقط ، وأعود إليكِ حبيبتي ..

حينها أدركتُ تعلقُكِ بي وتعلُقي بكِ ، لا نريد أن يُبعِدَنا شيءٌ عنا نريدُ أن نكونَ أقربَ من ذلك ..

رحلتُ في يومٍ ماطر، كنتُ أراكِ من خلالِ نافذتي بِـ أنكِ تُراقبينني تودين أن تكوني معي وبداخلي ترتبين حاجياتي، تضعين من عِطرُكِ على إحدى قُمصاني، تطبعين قُبله على جبيني..

كتبتُ على نافذتي ” أُحِبُكِ ” ورددتي علي بِـ رسالةِ على هاتفي ” مجنونٌ أنت “..

 

هُناك كتبتُ قصتي الثالثة، عن بعضِ الرجال لا يدركون مسؤولياتهم تجاه بيوتهم لا يعرفُ بالبيت سوى ثلاثةُ أشياء نومٌ، وأكلٌ، ومعاشرة.. والمرأة ما دورُها في حياتهم …!، لم تُخلقْ فقط كي تخدمَك فـ هي روحٌ كذلك، وكذلكَ أبنائُكَ ما ذنبهم أذ لم تحتويهم تحت جَناحِكَ لماذا أنجبتهم …!

فِكرة عبودية المرأة من قِبَلِ بعض الرجال كانت قصتي، لقد رأيتُ وسَمِعتُ قصصاً كثيرة واختصرتها بِـ قصة..

” المرأة لم تُخلقْ من رأسك كي تتعالى عليها ولا من قدمك كي تدوس عليها بل من ضلعك كي تحميها وتحبُها وتحتويها.. “* من مقولات د/ أبراهم الفقي..

 

في لِقائِنا الرابع، عندما أخبرتُكِ بِـ عزمي للتقدمَ لكِ أبتسمتِ ودمعت عيناكِ حينها وقلتِ لكن لديّ شرط أن أكملَ دراستي أولاً حتى أتفرغ لكَ قلتُ لكِ ” لكِ ذلك “..

لم يمضي أسبوعاً إلا وأنتِ لي، كنتُ فرحاً لم تسعني الدُنيا صرختُ بِ أعلى صوتي ” أُحِبُكِ ”

 

أني أُحِبُكِ

يا سيدتي

يا حبيبتي أنتِ

وهل هُناك شكٌ…!

في ذلك يا مولاتي

أنتِ الهوى

وأنتِ الحروف

وألحاني

يا حُباً أخذني إلى آخر الكون

خلف الوديان

بعيداً فوق الغمام

أُراقصُكِ تحت المطر

وعلى صوتِ المطر

وأنغامُ المطر

يا من استوطنتِ قلبي

إين رياحُكِ

أُحبُكِ جداً

جداً

يا سيدتي ..

 

أتذكرين عندما أخبرتيني عن صديقتُكِ وكيف تغير زوجها عنها وأعلمتِني بالأسباب، قلتُ لكِ أن الخطأُ منها، لقد كانت محبه للمال أكثر من زوجِها، وأنانية بقدر أنها تُحب أن تمتلكَ كُلَ شيء، ومسيطرة على كُلِ عمل وقولٍ وفعل..

” ثلاثُ أشياء تُسقط من قيمةِ المرأة حُب المال ، والأنانية ، والسيطرة “

 

لقد دامت فترة خطوبتِنا سنتين، بِـ كثيراً من الحُبِ والعِشق والتفكير للغد، كنتُ كُلَ يومٍ أزدادُ حُباً بكِ والتعلقُ بكِ، كُنتُ ألتقيكِ في نفسِ المكان كنا نرسمُ ونخطط ونكتبُ ونتشاغب، أُطلِعُكِ على قصصي ومقالاتي قبل نشرِها..

تزوجنا كان حفلُ الزفاف رائع كُنتِ جميلة أكثرُ مما كُنتُ أتصوره ، عِشنا في مَنزلٍ صغير أتذكرين بِـ أولِ مولود لنا عندما تخاصمنا على تَسمِته وبالنهاية خضعتُ لِرغبتِكِ حُباً بكِ ، وكذلكَ بِـ ثاني مولودة وكان من نصيبي ، أنهم يَكبرون ويَشبهونَكِ كثيراً يَعيشونَ معي ويرحلون معي وألتقي بكِ بهم ..

لم يَكن رحِلُكِ عني سهلاً فقدتُ الكثير والكثير ، فقدتُ إبتسامتُكِ ، صوتُكِ ، هدوئُكِ ، ضجيجُكِ ، حروفُكِ ، إنتقادُكِ لـ كتاباتي ، دموعُكِ إذا كتبتُ لكِ ، ترتِبُكِ لـ أوراقي ..

ولم يكن رحيلي عن المكان الذي عِشنا بهِ بِتلك الصورة التي أجبرتُ بـ أن أتزوج من أُخرى والمقرر العيشُ معها بِنفسِ المكان ، لـ هذا رحلتُ بعيداً حيثُ أجدُكِ وألتقي بكِ مع كتاباتي ..

مازلتُ أكتِبُ لكِ كُلَ صباح وأكتبُ كُلَ مساء ، وأكتبُ رسائِلي لكِ وأعلم أنها لن تَصلَ إليكِ ..

Mishal

 

 

Advertisements

12 thoughts on “مازلتِ بي ..

  1. طغيان و سيّل من الجمال ينحدر من بين متون قلمك.

    حرام أن لا يكون لك كتاباً يمظهر احرفك بشكلها الكامل.

  2. من أجمل ما قرأت .. لا أخفيك لقد قرئتها مرتان و في كل مرة أشعر إنني أقرئها للمرة الأولى ، إبداع تصورك و نثر تلك الحروف بكل حب و عفوية أثر فيني كثيراً .. سلمت يداك وسلم قلمك ..
    دمت بخير 🌷

    • الجمال تواجدكِ ،، والجمال انها نالت اعجابكِ واستحسانكِ
      سلمكِ الله من شر والابداع لكم وإليكم ..

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s